Newspaper

I published several newspaper articles in Arabic on a variety of topics and in different Iraqi newspapers. Some of these articles are found below:

 

مملكة الفردوس: أرض الحليب والعسل

أحمد الراوي

فيلم مملكة الفردوس أو مملكة السماء كما يحلو للبعض ترجمته من اخراج ريدلي سكوت المشهور بأخراج فيلم المجالد (كلادييتر) ومن كتابة وليام موناهان وتقع احداث الفلم قرابة عام  1184. يعد الفلم عند بعض النقاد من الأفلام التي صورت العرب المسلمين بشكل ايجابي خال من اي تشويه. وبغض النظر عن محاسنه في محاولته اظهار صورة اقرب الى الموضوعية عن المسلمين، لكنه في حقيقة الأمر يحوي الكثير من الأخطاء التأريخية وتشويه مبيت اخفيت بشكل جيد من اجل تمرير رسائل معينة. فعلى سبيل المثال، يأتي الفارس الفرنسي باليان (الممثل اورلاندو بلووم) وهو يريد الحصول على الغفران في البلاد المقدسة كما وعده ابيه من اجل زوجته التي انهت حياتها بالأنتحار. وبدأ شأنه يعلا رويدا رويدا خاصة بعد وفاة ابيه متأثرا بجراحه. فعندما يحصل الفارس على اراضي والده القاحلة والمليئة بأشجار النخيل، يبدأ حينها بتشغيل الفلاحين العرب صغارا وكبارا من اجل استصلاح الأرض من خلال حفر بئر وكأن العرب اصحاب الحضارة حينها كانوا بحاجة الى شخص من فرنسا يعلمهم أصول الزراعة. يبدأ المخرج بعدها يظهر للمشاهدين التغير الذي حصل في الأرض والأخضرار المتزايد الذي علا سطحه مشيرا بشكل غير مباشر الى قدرات الغرب المسيحي في عمل التغيير وهو نفس الشعور الذي راود الغربيون أبان احتلال أراضي العرب في بداية القرن العشرين. ويذكرنا كذلك بادعاء اليهود المستمر في انهم حولوا ارض فلسطين الجرداء بعد احتلالهم لها الى قطعة خضراء. تأريخيا نحن نعلم ان العرب كانوا أهل الحضارة والعلم وان بغدادعلى سبيل المثال كانت تحوي الآف الحمامات بالوقت الذي يستحم فيه الشخص الذي يعيش في الغرب  مرات معدودة  في السنة. هنالك افلاما قليلة عكست بشكل حقيقي الحضارة العربية مثل فيلم روبن هوود الذي قام ببطولته كيفن كوستنر. بالرغم من المشاهد القليلة التي يظهر فيها العرب، لكنه بين التفوق العلمي والعسكري للمسلمين بالمقارنة مع الغرب الذي كان يرزح في غياهب القرون المظلمة.

الشيء الثاني الذي يثير الأنتباه هو طريقة تصوير القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي (الممثل السوري غسان مسعود). حيث يظهر في اللقطة الأولى وحصانه يستدير وكأنه شخص غير مستقر أو واثق من حاله. نحن نعلم ان تأثير اللقطة الأولى هو الأقوى في نفس المشاهد، لكن المخرج أراد أن يبين القائد المسلم على انه شخص عادي بالرغم من حسناته ومواقفة النبيلة التي ظل الغرب نفسه يتكلم عنها الى يومنا هذا. ومن خلال سير الأحداث نرى ان صلاح الدين يحتار عدة مرات ولا يعرف ما يمكن عمله أثناء المعارك بعكس الفارس الفرنسي الذي يظهر دوما واثق بنفسه وصاحب رأي قوي.

 هذا وتعمد المخرج أن يظهر معركة تحرير القدس على انها معركة غير متكافئة وان للغرب المسيحي الحق في الأرض أكثر من العرب المسلمين خاصة وانه لم يلد أي مسلم في غضون بقاء القوات الصليبية في القدس. لهذا وحسب تعبير باليان فأن المسلمين لا يملكون الشرعية في استرداد الأرض وهذا بالتأكيد خطأ جلي. بالأضافة الى ذلك، بين المخرج تفوق الآلة العسكرية للقوات المسيحية القليلة غير المدربة داخل القدس بالرغم من جحافل المسلمين التي لا تنتهي. وخلال المعركة لم يتمكن صلاح الدين من دخول المدينة الا بعد ان قطع عهدا للقائد المسيحي في ان يحمي سكان المدينة كلهم وبين المخرج كأن صلاح الدين أجبر على هذا الفعل امام شخص واثق مسبقا من النتيجة.  وحتى في هزيمة القائد الصليبي المتعجرف كي دي لوسينيان على يد صلاح الدين، لا يظهر المخرج وقائع المعركة بل النتائج النهائية فقط.

خلاصة الكلام، فأن المخرج قدم فلما عن الحروب الصليبية من وجهة نظر الغرب. وكنت أتمنى ان يظهر شخصيات المسلمين بتفصيل أكبر من خلال عرض حواراتهم وشؤونهم كما فعل مع القوات الصليبية. يبقى علينا أن نتحسر في انتظار فلم عن حياة صلاح الدين الأيوبي، ذاك القائد المسلم الذي غير مجرى التأريخ. أفلا يستحق هذا المشروع كل الجهد والعناء؟

http://www.azzaman.com/azzaman/articles/2005/06/06-08/665.htm

صورة العربي في فلم (خطة الرحلة) لجودي فوستر

أحمد الراوي

تدور أحداث فلم (خطة الرحلة)، وهو من بطولة الممثلة الأميركية جودي فوستر، داخل أستوديو على شكل طائرة ذات طابقين صنع خصيصا للفلم الذي أخرجه روبرت شوينك ومن إنتاج برايان كرايزر وقصة بيتر داولنك وبيلي راي. وتظهر عبقرية الممثلة فوستر من خلال تمثيلها الرائع لشخصية الأم المتفانية والحريصة على حياة طفلتها الوحيدة بعد الأنتحار المزعوم لزوجها. تقوم فوستر بلعب دور كايل برات وهي مهندسة متخصصة بالطيران المدني والتي صممت طائرة آلتو (E 474) النفاثة ذات الطابقين. أما زوجها فقد أنتحر بعد أن رمى نفسه من شرفة شقته في برلين حيث يعمل مع زوجته، ولهذا تقوم كايل بنقل جثمان زوجها الى نيويورك بالطائرة ذاتها التي تقلها الى وطنها. لكن تبين بعدها إن المسألة كلها مبيتة وتقع في مكيدة مدبرة لها من كارسون (الممثل بيتر سارسكارد) وهو مسؤول أمن الطائرة وعصابته التي تتضمن إحدى المضيفات في الطائرة. وتشمل الخطة إختطاف أبنة كايل، جوليا (الممثلة مارلين لوستن)، وإخفاءها في حجرة الألكترونيات بينما ترتفع الطائرة 37 ألف قدم فوق سطح الأرض. يستطيع كارسون خداع جميع الركاب في إقناعهم إن كايل على وشك إنهيار عصبي وإنها لم تجلب بتاتا أبنتها معها في الطائرة، وأستطاع كذلك تزوير لائحة الركاب ومسح إسم الأبنة. بل وصل الأمر الى مساعدة مدير المشرحة له من خلال إرسال تأكيد بالفاكس إن الأبنة قد ماتت وجثمانها يتم نقله مع أبيها في الطائرة. بعد أحداث مشوقة داخل الطائرة تتجسد في البحث عن الأبنة الضائعة، تتبين لعبة كارسون الذي أستطاع خداع قائد الطائرة الكابتن ريج (الممثل شون بين)، في طلب كايل فدية مقدارها 50 مليون دولار، وألا ستنسف الطائرة المزروعة بالمتفجرات. لكن تنجح كايل في النهاية في إيجاد إبنتها ومعرفة المؤامرة التي حيكت ضدها من أجل المال.

ومن بين الأمور المهمة التي تناولها الفلم صورة العربي في الغرب في الوقت الحاضر. فبعد وفاة زوج كايل، قضت الأم ليلتها في غرفة أبنتها المذعورة والمنكسرة لموت أبيها، فرأت شخصين ينظران اليها من الشباك المقابل للبناية التي تقطنان بها. أنذعرت الأم لرؤيتها رجلين ملتحيين لهما ملامح عربية ينظران اليها من غرفة شبه معتمه وبشكل غريب ومخيف. حيث عززت هذه الصورة عند المشاهد وجود شيئ مريب في مقتل الأب، بالرغم إن الأمر كان مرتبا بشكل مسبق. من بين الصور النمطية المعتادة للعرب في الغرب هي العربي الذي يغدر ويطعن ظهر ضحاياه بلا أي سبب يذكر، وهذا ما أستخدمه المخرج في تصويره لهذين الشخصين اللذين يشبهان شخصين آخرين مسافرين في الطائرة نفسها التي تقل كايل. وبعد إختفاء الطفلة، أرتابت الأم كثيرا وتذكرت تفاصيل مشاهدتها للرجلين، لهذا طلبت من المسؤول الأمني، كارسون، التحقق من أماكن تواجدهما مسبقا علها تجد الخيط الذي يكشف اللغز. نظرا لأن كارسون يدرك جيدا صورة العربي في الغرب، أستغل هذا الأمر لصالحه وجعل الأم والركاب يشكون كذلك بالشخصين. أضطر الملتحي عبيد (الممثل مايكل أيربي) أن يبرر وجوده للركاب كافة نظرا الى الريبة التي شعروا بها، وهذا ما أكد الأعتقاد فيما يكنه الغربيون تجاه العرب المسلمين.  بالرغم إن أحمد (الممثل أساف كوهين)، صديق عبيد، نصحه بعدم الحاجة الى تبرير نفسه، لكنه أصر وواجه الركاب بثقة مزعزعة من أجل أن يرضيهم. وهذا لم يثني راكب ممتليء الجثة من شتمه بلغة بذيئة وحتى ضربه لمجرد الشك به. وبدا موقف العربي ضعيفا للغاية لايقوى حتى الدفاع عن نفسه.

وبعد أن طلبت كايل من كارسون تقييد يد الرجلين، أعتذر المسؤول الأمني بحجة عمل مشكلة دبلوماسية مع بلديهما. رغم هذا، أستمر الشك يراود كايل طيلة الفترة. وعندما هربت من كارسون، كان العربي الشخص الوحيد الذي دفعها بيده بقوة حتى جرحت وجهها. ومن هو الشخص الأفضل الذي يمكن أن يسبب الأذى للغير! وبدلا من التصرف بهدوء، أتهم عبيد كايل بالأهمال، وأخبرها أنه كان من الأجدر لها مراقبة طفلتها بدلا من النوم، وعنفها بشده لأنها كانت كاذبة في إدعاءها، وأتهمها بخلق القصة برمتها. لكن جاء إعتراف كارسون الصريح للمضيفة في إن أختياره رجلين عربيين كان الخيار الأصح ليكونا كبش الفداء المفضل عند الغرب من أجل إلقاء اللوم عليهما. هذا وقبيل إنتهاء الفلم، ناول عبيد الحقيبة اليدوية لكايل التي سقطت من يدها معترفا ضمنيا بخطئه برسمه إبتسامة مصطنعة، لكنها أخذت حقيبتها دون أن تقول حتى “شكرا”.

يمكن إدراج الفلم ضمن أفلام التشويق والألغاز نظرا الى الأحداث غير المتوقعة فيه، ويمتاز أيضا بخاصية التحري البوليسي عن الحقائق. على الرغم من إن المخرج تعمد إستخدام الصورة النمطية للعربي في الغرب، ألا أنه برأ ساحته في الأخير وكشف للمشاهد إن هنالك العديد من المؤامرات التي حيكت من أجل تشويه صورته، وهذا بحد ذاته تطورا جيدا نحو تصحيح هذه الصورة، ولو كان متواضعا نسبيا.

.

مات باهر…

 أحمد الراوي

لا أصدق الخبر… مات باهر. كيف يمكن لصديق العمر أن يفارق الحياة بهذه السرعة والسهولة! باهر، الذي كان ساخرا ومستهزئا من الموت ومتحديا له باندفاعه وتحمسه للحياة، مات في منتصف عمره…

تساءلت قبلها وأنا أشاهد على شاشة التلفاز حادثة تفجير محكمة كركوك حيث الجثث المتناثرة والأخرى التي كان الناس ينقلوها بالسدية، أي ذنب اقترفه هؤلاء الناس!!! عادة ما يسبغ البشر معان وصيغ منطقية حول الأحداث ومسبباتها، لكن الذي يحدث في العراق يتحدى هذه البديهية العقلية، لأنه أصبح خالي المعنى والأحداث وتداعياتها أخذت تسير بعبثية تامة يستحيل معها معرفة الأسباب. وصلنا فيها إلى مرحلة بدى فيها منظر الجثث مألوفا إلى درجة فقدنا معها التأثر، لكن عندما يكون شخصا عزيزا علينا متواجدا، تصبح للحادثة أهمية قصوى، وفي لغة الحاسوب ثلاثية الأبعاد، بدلا من كونها أحادية البعد. وهكذا صارت حادثة تفجير محكمة كركوك تحمل معنى آخر بسبب مقتل باهر.

كنا معا منذ أكثر من عشرين عاما، يرافق الواحد الآخر. بدأنا سوية التملص من أتباع المفاهيم السائدة وأخذنا نلتهم الكتب والمراجع وكل ما يصدر حديثا عن الفيزياء النووية والفلكية والباراسيكولوجي والفلسفة. وهنا بدأ الصراع العقلي بين الواقع وما يحمله من بلاده ورتابة وبين النظريات المجردة التي نقلتنا إلى عوالم بعيدة.

ظل باهر ذلك الحالم المصر على مقاومة التيار وعلى صياغة إطار فكره وشخصيته بعيدا عن كل الضغوط والمؤثرات الاجتماعية. بالرغم من عدم إنهاءه الدراسة التقليدية، فقد انتفض على التقاليد البالية والأعراف الساذجة وأصر على التعلم. فقد كان ثائرا على نفسه اولا، والآخرين ثانيا. والثورة بالنسبة له، ليست التدمير العبثي، بل البحث الدائم عن الجديد والابتكار، لذا لم يتوقف عن تعلم اللغات ومنها الإنكليزية والتركية والروسية وحتى أراد مرة تعلم الصينية.

كان حساسا بإفراط وخلال وحدته الطويلة، لم يبح بمكنوناته لأي شخص، مما أدى إلى اشتعال رأسه شيبا قبل أوانه. وآثر إن يعيش مع معاناته لوحده مما جعله غامضا وغريب الأطوار بالنسبة للغير. لم يكن مبذرا، انما حريصا على القليل الذي يمتلكه، زاهدا في تصرفاته، و عنيدا في خياراته وقراراته.

وكان يعشق كركوك ويحلم دوما بالزواج من أحدى نساءها، نظرا لأنهن يجدن الطبخ ومراعاة أزواجهن، وبالطبع لجمال مظهرهن. يقال إن كركوك بالذات تمثل العراق أكثر من أية مدينة عراقية أخرى، لأنها ثرية بنفطها وغازها واحتوائها خليطا من التركمان والأكراد والعرب وغيرهم، ولكون معظم الدول المجاورة تركز اهتمامها على هذه المدينة بالذات.

لم أكن أعلم في لحظة مشاهدتي الخبر إن باهرا قتل في حادثة كركوك هذه، ولا أظن إنه مر على باله يوما بأنه سيموت في مدينته الحبيبه على قلبه. وفي الليلة التي سبقت وفاته، فاجاءتني مكالمته الهاتفية التي أخذ فيها يمازحني ويهددني بأنه سيقدم إلى عمان من أجل أن يعيش في شقتي بشرط أن أقوم بإطعامه وخدمته طوال الوقت. ضحكنا معا كثيرا واشتقت إليه، كما اشتاق إليه في اللحظات التي اكتب فيها هذه الكلمات.

ولفت انتباهي في مشاهد الانفجار التي نقلها التلفاز منظر الحمامة المقتولة قرب المحكمة وتداعى مباشرة صورة البلبل المقتول الذي رأيته بعد الهجوم على مبنى الصليب الأحمر الدولي في بغداد ورجعت الذكريات نفسها. حينها جذب نظري البلبل الملقى على الأرض. وجدت أحد جناحيه مكسورا وآثار دم رطبة في منخريه بينما بقي ريشه اللامع بنظافته مميزا بين التراب والحصى المتناثر في كل مكان. منذ ذلك اليوم، ظل منظر البلبل يراودني وبقيت أفكر إن لموته معنى، ربما مقتل البراءة والجمال أو له بعدا آخر لا يمكنني سبر غوره.

لكن ربما كان لموت باهر معنى، بالرغم من فقدان السببية والهدف في ذلك الهجوم. ربما مات لأنه يحمل الأمل الذي يجب أن يقتل والوطنية التي علينا نسيانها. وربما… وربما… وربما، لكني، على الأقل، متيقن كليا أن موته كان خسارة لأهله ولأصدقائه ولوطنه.

 

1473 Total Views 1 Views Today